الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

70

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والرزق ما ينتفع به الإنسان فيطلق على الطعام والثمار كقوله : وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً [ آل عمران : 37 ] وقوله : فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ [ الكهف : 19 ] ، ويطلق على أعمّ من ذلك ممّا ينتفع به كما في قوله تعالى : يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ . وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ - ثم قال - إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ [ ص : 51 - 54 ] وقوله : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ومن ثم سميت الدراهم والدنانير رزقا : لأنّ بها يعوض ما هو رزق ، وفي هذا إيماء إلى بشارة للمسلمين بما أخبئ لهم من كنوز الممالك الفارسية والقيصرية وغيرها . [ 28 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 28 ] لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ( 28 ) استئناف عقب به الآي المتقدمة ، المتضمّنة عداء المشركين للإسلام وأهله ، وحسد اليهود لهم ، وتولّيهم عنه : من قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ [ آل عمران : 116 ] إلى هنا . فالمناسبة أنّ هذه كالنتيجة لما تقدمها : نهى اللّه المؤمنين - بعد ما بيّن لهم بغي المخالفين وإعراضهم - أن يتخذوا الكفّار أولياء من دون المؤمنين ؛ لأنّ اتّخاذهم أولياء - بعد أن سفّه الآخرون دينهم وسفّهوا أحلامهم في اتّباعه - يعدّ ضعفا في الدين وتصويبا للمعتدين . وشاع في اصطلاح القرآن إطلاق وصف الكفر على الشرك ، والكافرين والذين كفروا على المشركين ، ولعلّ تعليق النهي عن الاتّخاذ بالكافرين بهذا المعنى هنا لأنّ المشركين هم الذين كان بينهم وبين المهاجرين صلات ، وأنساب ، ومودّات ، ومخالطات مالية ، فكانوا بمظنّة الموالاة مع بعضهم . وقد علم كل سامع أنّ من يشابه المشركين في موقفه تجاه الإسلام يكون تولّي المؤمنين إياه كتولّيهم المشركين . وقد يكون المراد بالكافرين جميع المخالفين في الدين : مثل المراد من قوله : وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ [ آل عمران : 19 ] ، فلذلك كله قيل : إن الآية نزلت في « حاطب بن أبي بلتعة » وكان كان من أفاضل المهاجرين وخلّص المؤمنين ، إلا أنه تأول فكتب كتابا إلى قريش يعلمهم بتجهيز النبي صلى اللّه عليه وسلّم لفتح مكة ، وقيل : نزلت في أسماء ابنة أبي بكر لما استفتت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في برّ والدتها وصلتها ، أي قبل أن تجيء أمّها إلى المدينة راغبة ؛ فإنّه ثبت في « الصحيح »